ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
101
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
فإنه أمر رباني وميلة إلى مقتضيات الشهوات غريب من ذاته وعارض على طبعه وإنما غذاء القلب الحكمة والمعرفة وحب الله تعالى ولكن انصرف عن مقتضى طبعه بمرض حل به كما يحل المرض بالمعدة فلا يشتهي الطعام والشراب وهما سبب حياته فكل قلب مائل إلى حب شيء سوى حب الله سبحانه وتعالى فلا ينفك عن مرض بقدر ميله إلا إذا أحب ذلك الشيء لكونه معينا على حب الله ودينه فعند ذلك لا يدل على المرض . فإذا عرفت هذا قطعا إن هذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالعادة والرياضة وهي تكلف الأفعال الصادرة عنها ابتداء لتصير طبعا له انتهاء . مثال ذلك من أراد أن يصير حاذقا في الكتابة حتى يصير كاتبا بالطبع فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد ما يتعاطاه الكاتب الحاذق ويواظب عليه مدة طويلة وهو الخط الحسن فإن فعل الكاتب هو الخط الحسن فيشبه بالكاتب تكلفا ثم لا يزال يواظب عليه حتى يصير ذلك صفة راسخة في نفسه فيصدر منه الخط الحسن بالطبع وكذلك من أراد أن يصير فقيها فلا طريق له إلا أن يتعاطى أفعال الفقهاء وهي التكرار للفقه حتى ينعطف منه على قلبه صنعة الفقه فيصير فقيها وكذلك من أراد أن يصير سخيا عفيفا حليما متواضعا فيلزمه أن يتعاطى أفعال هؤلاء تكلفا حتى يصير له ذلك بالعادة طبعا وكما أن طالب الفقه لا ييأس من هذه الرتبة بتعطيل ليله ولا ينالها بتكرار ليله وكذلك طالب تزكية النفس وتحليتها بالأخلاق الحسنة لا ينالها بعبادة يوم ولا يحرمها بعصيان يوم وهو معنى قولنا إن الكبيرة الواحدة لا توجب الشقاوة المؤبدة ولكن العطلة في يوم واحد تدعو إلى مثلها ثم يتداعى قليلا قليلا ثم تأنس النفس بالكسل وتهجر التحصيل رأسا فيفوته فضيلة الفقه وكذلك صغائر المعاصي تجر بعضها إلى بعض وكم من فقيه يستهين بتعطيل يوم وليلة وهكذا على التوالي إما أن يختطفه الموت وهو يسوف نفسه يوما بعد يوم إلى أن يخرج طبعه عن قبول الفقه وكذلك من يستهين بصغائر المعاصي ويسوف نفسه بالتوبة على التوالي إما أن يختطفه الموت بغتة أو يتراكم ظلمة الذنوب على قلبه ويتعذر عليه